2.
[39r]وايضًا خبر حيقار الحكيم الفيلسوف
وزير سينحاريب الملك [ونادان] ابن اخته
ذكر انه كان في ايام الملك سينحاريب ابن سرحادوم
ملك اثور ونينوي رجل حكيم يقال له حيقار وكان وزير
الملك وكاتبه وكان ذو مالًا جزيل ورزق كثير وكان ماهرًا
حكيم فيلسوف ذو معرفت وراي وتدبير وكان قد تزوج
ستين امرات وبنا لكل واحدت منهن مقصوره ومع هذا كله
لم يكن له ولدًا يرثه وكان كثير [الهَمّ] لاجل [ذلك] وانه ذات يوم جمع
المنجمين والعرافين والسحره واحكا لهم عن ماله وامراته
[40v]عاقره فقالوا له ادخل اذبح للالهت واستجير بهم لعلهم
يرزقوك ولد ففعل كما قالوا له وقدم القرابين للاصنام
واستغاث بهم وتضرع اليهم بالطلبت والدعا فلم يجيبوه
بكلمه واحدة فخرج حزين كايب وانصرف متالم القلب ورجع
بالتضرع الى الله تعالى وامن واستغاث به بحرقت قلبه قايلًا
يا اله السماوات والارض يا خالق الخلايق كلها اطلب اليك
ان توهبني ولد حتى اتعزا به ويحضر موتتي ويرثني ويغمض
عيناي ويدفني عند ذلك اتاه صوت يقول له من [حيث]
انك اتكلت اولًا على الاصنام [المنحوتة] وقدمت لهم
القرابين كذلك تبقا بلا بنين ولا ولد ولا بنات بل
خذ نادان ابن اختك خذه واجعله لك ولدًا وعلمه
علمك وادبك وحكمتك وهو يرثك بعد موتك عند
ذلك اخذ نادان ابن اخته وكان صغير يرضع [فسلمه] الى
تمانيت نسا مرضعات يرضعوه ويربوه فربوه بالاكل الطيب
والتربيت اللطيفت والبسوه الحرير والارجوان القرمزي
[40r]وكان جلوسه على الطنافس الحرير فلما كبر نادان ونمى
مثل الارز العالي وعلمه الادب والكتابت والقراة والتاديب
والفلسفت فلما كان بعض الايام نظر سينحاريب الملك
الى حيقار فراه قد بقى شيخ كبير فقال له ايها الصاحب
المجيد المكرم الماهر المدبر الحكيم كاتبي وزيري وكاتم
سري ومدبر دولتي ها قد كبرت وطعنت في السن
وقرب موتك ووفاتك [فقل] لي من يقوم في خدمتي بعدك
فقال له حيقار يا سيدي الملك يعيش راسك الى الابد
هوذا نادان ابن اختي اتخذته لي ولدًا وربيته وعلمته
حكمتي ومعرفتي فقال له الملك احضره قدامي لانظره فان
وجدته لايقًا فاقيمه عوضك وانت اطلق سبيلك
لتمضي وتستريح وتنيح شيخوختك وتعيش باقي
عمرك بكرامتٍ حسنت حينيذ مضا حيقار واحضر نادان
ابن اخته الى عند الملك وسجد له ودعا للملك وتقدم
[41v]بالادب والخشيه فنظر الملك اليه فعجبه وفرح به وقال لحيقار
هذا ابنك يا حيقار اطلب من الله ان يحفظه لك وكما انت
خدمتني وخدمت ابي سرحادوم قبلي كذلك يكون [هذا]
ولدك يخدمني ويقضي مصالحي وحوايجي وشغلي فسجد
حيقار للملك وقال له يعيش راسك يا سيدي الى الابد
اريد منك ان تطول روحك على نادان ولدي وتسامح
غلطاته حتى يخدمك كما ينبغي عند ذلك حلف له الملك ان
يجعله اكبر محبيه واعز اصدقاه ويكون عنده في كل كرامت
ووقار فقبل يديه ودعا له واخذ نادان ابن اخته معه وا
جلسه في خلوة [وبدأ] يعلمه الليل والنهار حتى اشبعه
حكمة ومعرفت اكثر من الخبز والما وهكذا كان يعلمه ويقول له
يا بني اسمع كلامي واتبع رايي واذكر قولي. يا بني
ان سمعت كلمت دعها تموت في قلبك ولا تكشفها لغيرك
ليلا تصير جمرة وتحرق لسانك وتجعل في جسدك
الالم وتكسبك العار وتخزا من الله والناس
يا ابني اذا سمعت خبر لا تفشيه واذا نظرت [شيئًا] لا تحكيه
[41r]يا ابني سهل خطابك للسامع ولا تبادر برد الجواب
يا ابني لا تشتهي الحسن البراني لانه يزول ويعبر والذكر
الصالح يدوم الى الابد.
يا ابني لا تخدعك امرات سفيهت بكلامها ليلا تموت
بايشم موته وتعرقلك في المصيده وفي الفخ تنصاد
يا بني لا تشتهي امرات مزخرفت بالاتياب والادهان وهي
في نفسها وقحت سفيهت واياك ان تعطيها [شيئًا]
يكون لك او تسلمها ما في يدك فتلبسك الخطيت ويغضب
الله علل عليك
يا بني لا تكون مثل شجرة اللوز لانها تورق قبل كل
الاشجار واخر الكل تطعم بل كون مثل شجرة التوت
التي تطعم قبل كل الشجر واخر الكل تورق
يا بني احني راسك الى اسفل ولين صوتك وكن
[42v]متادب واسلك في طريق الصلاح ولا تكون سفيه ولا ترفع
صوتك اذا ضحكت او تكلمت لانه لو كان بالصوت العالي يبنى
البيت كان الحمار يبني كل يوم بيوت كثيرة
يا بني نقل الحجاره مع رجل حكيم اخير من شرب الخمر مع
رجل اليم يا بني اسكب خمرك على قبور
الصالحين ولا تشربه مع اناس وقحين اليمين
يا بني التصق في اناس حكما يتقون الله وكون مثلهم ولا تقرب
الجاهل ليلا تصير مثله وتتعلم طرايقه
يا بني اذا اقتنيت صديق صاحب جربه وبعد ذلك صادقه
وصاحبه وبغير تجربه لا تحمده ولا تفسر كلامك
مع رجل غير حكيم
يا بني مادام في رجلك خف امشي به على الشوك واعمل
طريقًا لبنوك ولبني بنيك واعدد سفينتك قبل ان يهيج
البحر وامواجه تغرقك ولا تقدر ان تخلص
[42r]يا بني الغني اذا اكل الحيت يقولون الناس من حكمته
واذا اكلها رجل مسكين يقولون الناس اكلها من جوعه
يا بني يقنعك رزقك ومالك ولا ترغب في شي غيرك
يا بني لا تجاور الاحمق ولا تاكل معه خبز ولا
تفرح في [أسَايَا] جيرانك واذا اسا اليك
عدوك باديه بالاحسان
يا بني رجل يخاف الله خاف انت منه واكرمه
يا بني الجاهل يقع ويعتر والحكيم ولو عتر ما يتزعزع
ولا يقع وان وقع يقوم عاجلًا واذا مرض يقدر يعالج روحه
واما الجاهل الاحمق ليس لدايه دواء
يا بني اذا استقبلك رجل اقل منك استقبله وانت
قايم فان لم يكافي يكافيك ربه عوضه
يا بني لا تعفي عن ضرب ابنك فان ضرب الولد مثل الزبل
للبستان ومثل ربط تم الكيس ومثل ربط البهيم وغلق الباب
[43v]يا بني اضبط ابنك من الشرور وادبه قبل ان يكبر ويتمرد عليك
ويهينك بين اصحابك ويحني راسك في الشوارع والمحافل
وتتعاقب في اعماله الرديت
يا بني لا تخرج الكلمت من فمك حتى تشاور قلبك ولا تقوم بين
المخاصمين لان من ما ...[?] تكون الخصومت ومن الخصومت يكون الحرب
ومن الحرب يكون القتال فتلزمك الشهادة لكن انت فرّ من
هناك واستريح
يا بني لا تقوم مقابل من هو اقوى منك بل اقتني لك الروح الطو
يل والاحتمال والمشيت الصالحت ليس شي افضل منها
يا بني لا تفرح بموت عدوك لان بعد قليل تكون جاره وان هزلك
وقره واكرمه واسبق عليه بالسلام
يا بني ان كان الماء يقف في المجرا وتطير العصافير الى السما وغراب
الاسود يبيض والمرّ يحلا كالعسل فالجاهل والاحمق
يفهمون ويتحكمون
يا بني ان اردت تكون حكيم اضبط لسانك من الكذب ويدك
من السرقه وعينيك من نظر السو عند ذلك تدعا حكيم
[43r]يا بني دع يضربك الحكيم بعصاه ولا يدهنك الجاهل بدهن
طيب
يا بني كن متواضع في [شيبوبتك] فتكرم في شيخوختك
يا بني لا تقوم مقابل الرجل في [رئاستة] ولا النهر النهر
في زيادته ولا تسعا في زواج لانه اذا كان فيه خيرًا ما
يحمدوك وان كان شرًا شتموك ولعنوك
يا بني صاحب لمن تكون يده ممتليت شبعانه ولا تصاحب
لمن يده منقبضت
يا بني اربعت لا يتبت فيك ملك ولا عسكر عسر الوزير
وسو التدبير [وخبث] النيه وظلم الرعيت
يا بني اربعت لا تخفا العاقل والاحمق والغني والفقير
قال
فلما تم حيقار هذه [الوصايا] والامثال الى نادان ابن اخته ظن في
باله انه قد حفظ جميع ما اوصاه وما علم انه يباديه بالعكس
عند ذلك جلس حيقار في بيته وسلم الى نادان كل ماله
[44v]والعبيد والجوار والخيل والمواشي وغير ذلك من جميع
ما يملك ويقتني وبقي الامر والنهي في يده وتقدم عند الملك
مثل خاله حيقار واكتر وبقا حيقار في بيته مستريح وصار
يمضي الى الملك في كل مده مره يسلم عليه ويعود الى بيته
فلما علم نادان ان الامر [بقي] يده وكل شي
في يده هزل خاله حيقار وشمخ عليه وبدا يدمه اين
ما حضر ويقول ان حيقار قد بقي كبير وخرفان وما بقا
يعرف شي وبدا يضرب الجوار والعبيد ويبيع الخيل والجمال
وتصرف في [كل ما] يملكه خاله فلما نظر حيقار ان ليس له شفقه
على عبيده وبيته طرده من بيته وارسل اعلم الملك انه
يبدد مقتناه ورزقه فدعا الملك نادان وقال له ما دام حيقار
بالحياه فلا يتسلط احد على بيته ولا على مقتناه فارتفعت
يد نادان عن حيقار وعن جميع ماله وبقي لا يدخل ولا
يخرج الى عنده ولا يسلم عليه عند ذلك ندم حيقار
على تعبه مع نادان وبقا حزين جدًا وكان لنادان اخًا اصغر
[44r]منه يسما نبوزردان فاخذه حيقار اليه عوض نادان
ورباه واكرمه غايت الاكرام وسلم اليه جميع ما يقتني
وجعله مدبر بيته وامره فلما نظر نادان ما قد صار
اخذه الحسد والغيره وبدا يشكي لكل من يساله
ويهزو بخاله ويقول ان خالي قد طردني من بيته
وقدم اخي عليّ ولكن ان قدرني الله تعالى لارميه
[بمحنةٍ] للقتل وبقي نادان يفتكر في عسرة ينصبها لخاله
حيقار فبعد ان مضت مدة طويلة مضى نادان وكتب رسالت
الى الكيش بن شاه حاكم ملك الفرس والعجم يقول فيها
هكذا سلام تام وتحيات واكرام من سينحاريب ملك
اثور ونينوي ومن وزيره وكاتبه حيقار اليك ايها الملك
الجليل سلام بيني وبينك وانه في حال وصول هذا
الرسالت اليك تقوم تجي عاجلًا الى بقعت نسرين
اثور ونينوي حتى اسلّم اليك [المملكة] بلا حرب
[45v]ولا قتال وكتب ايضًا رسالت اخرى باسم حيقار الى
فرعون ملك مصر سلام بيني وبينك ايها الملك [العظيم]
انه في حال وصول الرسالت اليك تقوم تجي الى اثور ونينوي
حتى اسلم اليك المملكت بلا حرب ولا قتال وكان خط نادان
يشبه خط خاله حيقار ثم انه طوى الرسالت وختمها بختم خاله
حيقار وارماهم في دار الملك ثم مضا ايضًا وكتب رسالت
اخرى من عند الملك الى حيقار السلام التام على وزيري
وكاتبي وكاتم سري حيقار وانه حين وصول الرسالت
اليك اجمع العساكر الذي عندك كلهم ويكونوا كاملين
الكسوه والعدد وتاتيني يوم الخميس الى بقعت نسرين وحين
تراني اتيت اليك اجعل العسكر يهيج مقابلي مثل عدوي
يقاتلني لان عندي رسل فرعون ملك مصر حتا ينظرون
قوت عساكرنا ويخافون منّا لانهم اعداينا ومبغضينا ثم ختم
الرسالت وارسلها الى حيقار مع احد من غلمان الملك
واخذ الرسالت الواحدت الذي كتبها [وعرضها] على الملك
[وقرأها] عليه [وأراه] الختام فلما سمع الملك ما في الرسالت
[45r]حار حيرةً عظيمة واغتاظ غيظًا شديدًا وقال ايش فعلت
انا مع حيقار حتى كتب هولاي الرسالت الى اعداي
هذه مكافاتي منه عوض احساني اليه فقال له نادان لا تغتم
ايها الملك ولا تحزن ولا تغتاظ بل اننا نمضي الى بقعت
نسرين وننظر الخبر هل هو حقيق ام لا فقام نادان يوم
الخميس واخذ الملك والعساكر والوزرا وانطلقوا الى
[الصحراء] الى بقعت نسرين فنظر الملك واذا حيقار
والعساكر مصفوفين فلما نظر حيقار واذا الملك
قد اقبل اشار الى العسكر ان يهيج الى الحرب ويضربوا
مصاف مع الملك كما وجد في الرسالت وهو لا يعلم ايما
بير حفر له نادان فلما نظر الملك فعل حيقار اخذه
القلق والدهش والحيرة واغتاظ غيظًا عظيم فقال
له نادان نظرت يا سيدي ما فعل هذا الاليم ولكن
لا تغتاظ ولا تغتم ولا تتالم بل امضي الى بيتك
واجلس على كرسيك وانا اجيب لك حيقار
[46v]مكتف مقيّد بالسلاسل واطرد عدوك عنك بلا تعب
فعاد الملك الى كرسيه وهو مقهور لما فعل به حيقار ومضا
نادان الى حيقار وقال له لقد فرح [الملك] اليوم فرحًا عظيمًا وشكرك
حيث صنعت ما امرك به والان قد ارسلني اليك لتطلق
العسكر في سبيلهم وتمضي انت اليه مكتوف مقيد لينظروا
رسل فرعون ذلك ويبقا الملك مهاب عندهم وعند ملكهم
فاجاب حيقار السمع والطاعه وكتف يديه وقيد رجليه
واخذه نادان ومضى به الى عند الملك وكان الملك قد نظر
الامر ايضًا فلما دخل حيقار على الملك سجد امامه على
الارض فقال له الملك يا حيقار وكاتبي وولي امري وكاتم
سري ومدبر دولتي [قل] لي ماذا صنعت معك من القبيح
حتى انت تجازيني بهذا الافعال السمجت ثم [أراه] [الأوراق]
بخطه وختمه فلما نظر حيقار ذلك رجفت عظامه وانعقد
لسانه للوقت ولم بقا يقدر يرد كلمت واحدت من حكمته
ومعرفته وعجز عن ذلك بل انه اطرق راسه في الارض
وسكت فلما نظر الملك ذلك فامر ان يقتلوا
[46r]حيقار ويضربوا عنقه خارج المدينت فصرخ نادان وقال
يا حيقار يا اسود الوجه ايش نفعك مكرك وغدرك
حتى تفعل هذا الفعل مع الملك وكان اسم السياف ابو
سميك فامره الملك وقال له امضي اقطع راس
حيقار في باب بيته وابعد راسه عن جتته مايت دراع
عند ذلك خر حيقار امام الملك وقال يعيش سيدي
الملك الى الابد فان كان تريد قتلي يكون اختيارك
وانا اعلم ان ليس لي ذنب لكن الله [يطالب] الردى
برداه فارجوا من حنوك ومن احسانك وصدقاتك
ان تاذن السياف يعطي جسدي لعبيدي حتا
يدفنوه ويكون عبدك فداك فامر الملك
السياف ان يفعل به بما يريد واخذوا حيقار غلمان
الملك والسياف ومضوا به عريانًا ليقتلوه فلما تيقن
حيقار بقتله ارسل الى زوجته يقول لها وكان اسمها
[47v]اشفغني اخرجي الى لقاي ومعكي الف بنت بكر ولبّسيهم
تياب الارجوان [والحرير] حتا يبكون عليّ قبل موتي واوضعي
للسياف مايدة ولغلمانه وامزجي خمرًا كتير حتى يشربون
ففعلت جميع ما امرها وكانت حكيمت عاقلت ماهرت قد
حويت الادب والمعرفت فلما وصلوا الجند والسياف [والغلمان]
وجدوا المايدت موضوعت والخمر والمواكيل المفتخرا فابتدوا
بالاكل والشرب حتا انهم شبعوا وسكروا فاخذ
حيقار السياف على جنب وقال له يا ابوسميك
اما تعلم لما اراد سرحادوم الملك ابو سينحاريب
بقتلك فانا اخذتك واخفيتك في مكان خفي الى ان
يرد غضبه فيطلبك فلما احضرتك امامه فرح فيك
والان اذكر الجميل الذي صنعته معك وانا اعلم ان
الملك يندم عليّ ويغتاظ غيظًا عظيم لقتلي لان ليس
لي ذنب واعلم ان نادان ابن اختي قد غشني وصنع
هذا الصنيع الردي ولما يندم الملك على قتلي اذا احضرتني
[47r]قدامه فتكون عنده بمنزله عظيمه ولي هاهنا سرداب في منزلي
ولا يعلم به احد فاخفيني به بعلم [زوجتي] اشفغني
وانا لي في السجن عبد مستوجب القتل اخرجه والبسه
تيابي وامر الغلمان وهم سكارى يقتلوه وما يعرفوا لمن
قتلوا وابعد راسه عن جتته مايت دراع واعطي جسده
لعبيدي يدفنوه وتكون قد ذخرت عندي ذخيرة عظيمه
وعند الملك ايضًا ففعل السياف كما امره حيقار
ومضوا الى الملك وقالوا له يعيش الملك الى الابد ثم ان
اشفغني امرات حيقار كانت تحدر له الاكل والشرب
الى المطموره كل جمعه ما يكفاه ولا يعلم احد غيرها
فشاع الخبر وذاع وانتشر في اثور ونينوي وان حيقار
الحكيم قد قتل ومات وناحوا عليه اهل تلك البلاد جميعها
وبكيوا وقالوا يا حيف عليك يا حيقار وعلى علمك وادبك
يا اسفاه عليك وعلى معرفتك اين بقا يوجد مثلك
[48v]واين يصير فهيم عارف مدبر يشبهك حتى يقوم موضعك فاما
الملك فانه ندم على حيقار ولا ينفعه الندم فدعا نادان وقال
له امضي وخذ معك احباوك واعمل مناحت وبكا لخالك حيقار
ونوح عليه كجاري العادت اكرامًا لخاطري فلما مضا نادان الاحمق
الجاهل القاسي القلب الى بيت خاله لم يبكي ولم ينوح بل
جمع له اناس فاسقين زناه وبدوا الاكل والشرب وبدا
نادان يمسك الجوار والعبيد الذي لحيقار ويشدهم
ويعذبهم ويضربهم ضربًا [موجعًا] وما يستحي من امراة خاله الذي
ربته مثل ولدها بل طلب انه يقع معها في الخطيه [وأمَّا] حيقار
فكان ملقا في المطموره وهو يسمع بكا عبيده وجواره ويحمد
الله الرحوم ويشكره وكان يصلي دايمًا ويتضرع الى الله تعالى وكل
زمان ياتي السياف اليه [خفية ] ويسليه وياخذ بخاطره ويمضي
ويدعي له بالخلاص فلما شاع الخبر في ساير الاقطار ان
حيقار الحكيم قد قتل فرحت الملوك جميعها شماتت
بالملك سينحاريب وتاسفوا على حيقار فكاك المشكلات
فنهض ملك مصر وكتب الى سينحاريب الملك يذكر فيها
[48r]هكذا السلام التام والتحيت والاكرام يخص به اخي
وعزيزي سينحاريب الملك واني قد اشتهيت
ان تبني لي مقصورة بين السما والارض واريد منك
ان ترسل من عندك رجل حكيم مايهدونهر حتى يبني لي اياها
ويرد لي جميع سوالاتي ويكون لك عندي الكسيم
اثور وخراجها تلاتت سنين ثم انه ختم الرسالت
وارسلها الى سينحاريب الملك فلما وصلت الرسالت
اليه اخذها وقراها قدام وزراه [وأكابر] دولته فتحيروا الجميع
وبهتوا واغتاظ [غيظًا]عظيم وبقا محتار كيف يفعل ثم انه جمع
المشايخ والعلما والحكما والفلاسفت [والعارفين] والمنجمين وجمع
ما في بلاده وقروا الرسالت قدامهم وقال لهم من فيكم يمضي الى فرعون
ملك مصر ويرد له جوابه فقالوا له يا سيدنا الملك اعلم انه
ليس احدًا كان يعرف يفك هذه المشكلاة سوا حيقار
وزيرك وكاتبك واما نادان ابن اخته لانه علمه جميع حكمته
[49v]وعلمه ومعرفته فادعيه اليك لعل انه يحل هذه العقده العسرت
عند ذلك دعا الملك نادان وقال له انظر هذه الرسالت وافهم ما فيها
فلما قراها نادان قال للملك يا سيدي الملك اترا الناس [يهذون]
بالمحال من يقدر يبني مقصوره بين السما والارض فلما سمع الملك كلام
نادان حزن حزنًا شديدًا ونزل عن كرسيه وجلس على الرماد
وبدا يبكي وينوح على حيقار ويقول يا اسفاه عليك يا حيقار يا عارف
ما في السراير [والمسائل] ويلي عليك يا حيقار يا معلم بلدي ومدبر
ملكي اين اجد مثلك يا حيقار واين ادور عليك اهلكتك وعدمتك
بكلام صبي احمق جاهل بلا معرفت ولا دين ولا مروه اه على من كان
يوهبك لي او وكان يبشرني ان حيقار [بالحياة] لكنت اعطيه نصف ملكي
لكن من اين لي ذلك اه يا حيقار من كان [ينظرك] بالحياه حتا كان يشبع
من ورياك ويعتذر منك واسفي عليك طول الزمان يا حيف عليك
كيف قتلتك ولم امهل عليك حتى كنت انظر عاقبت الامر وبقي
الملك يبكي وينوح ليلًا ونهارًا فلما [رأى] السياف غيظ الملك
وحزنه رق له قلبه وتقدم وسجد امامه وقال يا سيدي
امر غلمانك ان يقطعوا راسي فقال له الملك ما ذنبك
فقال له السياف يا مولاي كل عبد يخالف كلام مولاه يقتل وانا قد
[49r]خالفت امرك فقال له الملك ويحك يا ابوسميك بماذا قد خالفت
امري فقال له يا سيدي انت امرتني ان اقتل حيقار فعلمت
انك تندم عليه وتلومني فاني اخفيته في مكان خفي وقتلت واحد
من عبيده فهو الان [بالحياة] طيّب فان امرتني فانا اتيك
به وان اردت اطلقني وان اردت اقتلني [فقال] له الملك
ويحك يا ابوسميك وانت تهزوني وانا سيدك
فقال له لا وحيات راسك يا سيدي بل حيقار بالحياه
فلما سمع الملك ذلك الكلام وتحققه طار عقله وكاد
يغما عليه من شدت الفرح وامر باحضار حيقار وقال للسياف يا عبدًا
صالحًا ان كان كلامك صدق اريد اغنيك وارفع منزلك
عن كل اصحابك فمضى السياف وهو فرحان حتا وصل الى
بيت حيقار وفتح المطموره ونزل اليها فوجد حيقار جالس يحمد
الله ويشكره فصاح به وقال يا حيقار قد اتاك الفرح افرح
وسر وابتهج فقال له حيقار ما الخبر فاحكا له بجميع ما جرا
من فرعون من الاول الى الاخر ثم انه اخذه ومضا الى عند الملك
فلما نظره الملك في حال العدم وقد طال شعره شبه
الوحوش واظافيره كاظافير النسر وجسده تخبل من
[50v]التراب ولون وجهه تغير وبلى وبقي مثل الرماد فحزن الملك لاجله وقام
اليه واعتنقه وقبله وبكى عليه وقال له الحمد لله الذي ردك عليّ بعد
الموت ثم انه اخذ في خاطره وسلاه واعتذر اليه وخلع على السياف
وانعم عليه واوهبه مالًا جزيلًا واخذ على راحت حيقار فقال حيقار
للملك يعيش سيدي الملك الى الابد هذه الافعال افعال اولاد
الحرام انا ربيت لي نخله حتى اتكي عليها فمالت وارمتني لكن يا سيدي
بعون الله حضرت امامك فلا يغيظك امر ولا يهمك شيءً فقال له
تبارك الله الذي رحمك ونظر اليك وعرف انك مظلوم وخلصك
ونجاك من القتل ولكن امضي الى الحمام واحلق راسك وقص اظافيرك
وغير تيابك واتنعم مدة اربعين يومًا تطيب نفسك وينصلح
حالك ويرد اليك لون وجهك وبعد ذلك تعال الى عندي
ثم انه خلع عليه خلعه مفتخره زايده. فشكر حيقار وسجد
للملك وانصرف الى منزله فرحان يسبح الله تعالى ففرحوا
به اهل بيته واحباه وكل من سمع به انه بالحياه ففعل
كما امره الملك واخذ الراحت اربعين يومًا ثم انه لبس
افخر الملبوس وركب واتى الى عند الملك [وعبيده] خلفه
وقدامه وقدامه فرحانين مسرورين وامّا نادان لما نظر الذي
[50r]جرا اخذه الرعب والفزع وبقي حاير لا يدري ما يصنع فلما
دخل حيقار على الملك سلم عليه فرد عليه السلام
واجلسه بجانبه وقال له يا عزيزي حيقار انظر هذه
الرسالت الذي قد ارسلها الينا ملك مصر بعد
انه سمع بقتلك وقد قهرونا وغلبونا وهربوا اكتر
اهل بلدنا الى مصر من خوف الكسيم الذين يطلبونه
منا فاخذ حيقار الرسالت وقراها وفهم جميع
ما فيها ثم انه قال للملك لا تغتاظ يا سيدي
انا امضي الى مصر وارد [جواب] فرعون واشرح له هذه
المساله واجيب لك منه الكسيم وارد كل الذين هر
بوا واخزي اعدايك بعون الله تعالى بسعادت
دولتك فلما سمع الملك هذه الكلام فرح وانسر
خاطره ونعم عليه واوهب للسياف مالًا كتير فقال حيقار
للملك امهلني اربعين يومًا افكر في هذه المساله وادبرها
فاذن له الملك بذلك فمضى حيقار الى منزله وامر الصيادين
[51v]يصتادوا له فرخين نسوره فاصطادوهم وجابوهم له وامر ان
يفتلوا له حبلين من قطن طول كل واحد الفين دراع واحضر
النجارين وامرهم ان يصنعوا له صندوقين كبار ففعلوا
ذلك ثم انه اخذ صبيان صغار اتنين اسم الواحد بنوحال
واسم الاخر طبشاليم وبقي كل يوم يذبح خاروفين
[ويطعم] النسوره والصبيان ويركب الاولاد على ظهور
النسوره ويربطهم عليهم ويربط الشرايط في
رجلين النسوره ويطلقهم الى فوق قليل قليل كل
يوم قدر عشرة ادرع حتى تطبعوا وتعلموا وفي
مدة يسيره كانوا يرتفعوا على طول الشرايط
حتى يصلوا الى الفضا والاولاد على ظهورهم ثم انه
يسحبهم اليه فلما راى حيقار انه قد تمت ارادته
وعلم الاولاد انهم اذا ارتفعوا الى الفضا يصرخون
ويقولون وصلوا لنا حجر وطين وكلس وطوب حتى
[51r]نبني قصر الملك فرعون لاننا واقفين بطالين وما زال
حيقار يطبعهم ويدرسهم حتى انهم بقوا على غايت
ما يكون فتركهم ومضا الى الملك وقال له يا سيدي
قد تم العمل كما تريد فقوم معي لاريك العجب
فنهض الملك وجلسايه مع حيقار ومضوا الى مكان
واسع وارسل حيقار واحضر النسوره والصبيان
وربطهم واطلقهم الى [الجو] على طول الحبال وبدوا
يصرخوا كما علمهم حيقار ثم جدبهم اليه ووضعهم
في مكانهم فتعجب الملك ومن معه عجبًا عظيمًا وقبل
حيقار بين عينيه وخلع عليه وقال له امضي بالسلاح
يا عزيزي وفخر دولتي الى مصر ورد مسايل فرعون
واغلبه بقوة الله تعالى ثم [ودَّعه] واخذ معه عسكره وجنوده
[وأخذ] الاطفال والنسوره ومضا قاصد ديار مصر فلما
وصل توجه الى [بلاط] الملك فلما علموا اهل مصر ان
[52v]سينحاريب الملك قد ارسل من خواصه رجلًا حتى
يتكلم مع فرعون ويرد له مسايله بلغ الخبر الى فرعون
الملك فارسل جماعت من خواصه ليحضروه
الى بين يديه فاتى ودخل الى قدام فرعون وسجد
امامه كما يليق للملوك وقال له سيدي سينحاريب
يهديك جزيل السلام وقد ارسلني انا [واحد]
من عبيده حتى ارد لك سوالك واقضي لك
مهما اردت وانك ارسلت تطلب من سيدي
الملك رجلًا يبني لك مقصوره بين السما والارض
فانا بعون الله تعالى وبهمتك الشريفت وبدولت
سيدي الملك ابني لك اياها كما تشتهي
ولكن على العهد الذي قلته من الكسيم مصر تلات
سنين [لأن] قرار الملوك دينًا تابتًا فان غلبتني
وقصرت يدي عن جوابك فيرسل لك سيدي
[52r]الكسيم الذي ذكرته وان [أجبتك] عما تريد ارسل لسيدي
الكسيم كما امرت فلما سمع فرعون هذا الكلام عجب
وتحير من انطلاق لسانه وحلاوة كلامه فقال له يا رجل
ما اسمك فقال له عبدك ابيقام وانا نمله من نمل
سينحاريب الملك فقال له فرعون اما كان عند
سيدك ارفع شان منك حتى يرسل لي نمله
تجاوبني وتتكلم معي فقال له حيقار ارجو من الله تعالى انني
اتمم ما في خاطرك يا سيدي لان الله مع الضعيف
حتى يتعجب القوي فامر فرعون يهيوا لابيقام منزلًا والى
جنوده ومن معه ويجعلوا لهم العلافت الاكل والشرب
وجميع ما يختص بهم بغايت ما يكون فلما كان بعد تلاتت
ايام لبس فرعون الارجوان الاحمر وجلس على
كرسيه وكان عظمايه ووزراه واقفين مكتفين
اليدين جامدين الرجلين وارسل باحضار ابيقام اليه
[53v]فلما دخل اليه سجد امامه ووقف فقال له يا ابيقام لمن اشبه
انا واكابري ووزراي لمن يشبهون فقال له حيقار يا سيدي
انت تشبه لابّلون الصنم واكابرك يشبهون لخدامه
فقال له امضي وفي الغد تعال هاهنا فمضى حيقار كما امره فرعون
وفي الغد حضر الى قدامه فسجد له ووقف امامه وكان الملك
فرعون قد لبس احمر ملون وعظمايه قد لبسوا ابيض فقال له
فرعون يا ابيقام لمن اشبه انا واكابري لمن يشبهون
فقال له ابيقام يا سيدي انت تشبه للشمس
وخدامك يشبهون للشعاع فقال له فرعون امضي الى
منزلك وفي الغد تعالى الى هاهنا ثم انه اوصى اكابره انهم
يلبسون ابيض صافي ولبس هو ابيضًا ايضًا وجلس
على كرسيه وامر باحضار ابيقام فدخل وسجد
امامه ووقف فقال له فرعون لمن اشبه انا واكابري لمن
يشبهون فقال له يا سيدي انت تشبه
للقمر وخدامك وجنودك يشبهون للكواكب والنجوم
فقال له امضي وفي الغد تعال الى هاهنا ثم امر فرعون
[لعظمائه] ان يلبسون تياب مختلفت الالوان ولبس
[53r]وهو توب مخمل احمر وجلس على كرسيه وامر
باحضار ابيقام فدخل اليه وسجد له ووقف قدامه
فقال له يا ابيقام انا لمن اشبه وجنودي
لمن يشبهون فقال له يا سيدي
انت تشبه الى شهر نيسان وجنودك واكابرك
يشبهون الى بيبونه وزهره فلما سمع ذلك فرعون فرح
فرحًا عظيمًا وقال يا ابيقام اول مره شبهتني الى ابلّون الصنم
وتاني مره شبهتني للشمس وتالت مره شبهتني للقمر ورابع
مره شبهتني لشهر نيسان واكابري لبيبونه وزهره ولكن
قول لي الان سيدك سينحاريب الملك
لمن يشبه واكباره وجنوده لمن يشبهون [فصرخ] حيقار
[بصوتٍ] [عظيم] وقال حاشا لي ان اذكر سيدي الملك
وانت جالس على كرسيك بل قم على رجليك
حتى اقول لك سيدي لمن يشبه واكباره لمن يشبهون
فتحير فرعون من [جرأة] لسانه [وشجاعة] كلامه ثم انه قام
[54v]عن كرسيه ووقف فقال له قول لي الان حتى ابصر سيدك
لمن يشبه واكباره لمن يشبهون فقال له سيدي
يشبه الى اله السما واكباره للبرق والرعد فان اراد هبت
الارياح ونزل المطر وامر الرعد فابرق وامطر ويامر
الشمس فلا تعطي ضوها والقمر والكواكب لم يسيرون ويامر
العواصف فتهب الارياح وتنزل الامطار ويخبط نيسان
وينتر زهره وبيبونه فلما سمع فرعون هذا الكلام حار حيرت
عظيمة واغتاظ غيظا شديد وقال له يا رجل قول لي الصحيح
وعرفني من انت حقًا فقال له انا هو حيقار الكاتب اكبر
خواص سينحاريب الملك وانا وزيره ومدبر دولته
وكاتم سره فقال له فرعون صدقت يا حكيم في هذا
الكلام ولكن سمعنا [أن حيقار] قد مات فها انت طيب
بالحياه فقال له حيقار نعم كان ذلك ولكن الحمد لله عالم
الخفايا لان سيدي الملك امر بقتلي واعتقد على
كلام المفسدين [ولكن] الرب نجاني فالطوبى لمن اتكل
عليه فقال له فرعون امضي وفي الغد تكون هاهنا وقول
[54r]لي كلمت ما سمعتها قط من اكباري ولا من اهل
دولتي وبلدي فمضى حيقار الى منزله وكتب رساله
يقول فيها هكذا من سينحاريب [ملك] اثور ونينوي
الى فرعون ملك مصر سلام عليك يا اخي والذي
تعلم به ان الاخ يحتاج الى اخيه والملوك الى
بعضها بعض ونرجو منك ان [تقرضني] تسع مايت
الف قنطار ذهب لاني احتجت الى علوفت بعض
عسكر حتى انفق عليهم وبعد قليل ارسل لك
اياهم ثم انه طوى الرسالت واحضرها في الغد قدام
فرعون فلما قراها تحير وقال بحق اني هذه الكلمت ما سمعتها
[قط] من احد فقال له حيقار بحق انه بقي هذا عندك
لسيدي الملك وقبل فرعون تلك وقال يا حيقار مثلك
من يصلح لخدمت الملوك تبارك الله الذي كملك
بالحكمت وزينك بالمعرفت والفلسفت والان بقي
مرادنا منك تبني لنا مقصوره بين السما والارض فقال
[55v]حيقار السمع والطاعت انا ابني لك مقصوره كما تريد
وتختار لكن [هيأ] لي الكلس والحجار والطوب والفعاله
وانا عندي المعلمين بنايين يبنوا لك كما تريد [فهيّأ]
الملك جميع ذلك ومضوا الى مكان واسع ومضا حيقار
وغلمانه واخذ النسوره والصبيان معه ومضى الملك
وجميع اكباره واجتمعت المدينت باسرها حتى ينظروا ماذا
يصنع حيقار عند ذلك خرج حيقار النسوره من الصناديق
وربط الصبيان على ظهورهم وربط الشرايط بارجلهم
واطلقهم في الجو فارتفعوا حتا بقوا بين السما والارض [وبدأوا]
يصرخون ويقولون وصلوا لنا حجر وطين حتى نبني مقصوره
للملك لاننا واقفين بطالين وبهتوا الجميع وتعجبوا
واتحيروا وتعجب الملك واكباره وبدا حيقار وغلمانه
يضربون الفعالت ويصرخون على عبيد الملك ويقولون
لهم قدموا للمعلمين ما يريدوا ولا تعوقهم عن شغلهم
فقال
[55r]الملك يا حيقار انتا مجنون من يقدر يوصل لهذا البعد [شيئًا]
للعلو فقال له حيقار يا سيدي كيف يبنا مقصوره في
الجو ولو كان سيدي الملك هاهنا كان يبنا مقصورتين
في يوم واحد فقال له فرعون امضي يا حيقار الى منزلك
وفي الغد تعال الى عندي فمضى حيقار الى منزله وفي
الغد حضر قدام فرعون فقال له فرعون يا حيقار كيف
خبر حصان سيدك لانه اذا صهل في بلاد اثور
ونينوي يسمعون خيلنا يطرحون فتركه حيقار ومضى
واخذ قطا وربطها وبدا يجلدها جلدًا شديدًا حتا
سمعوا المصريين حسها فمضوا واعلموا الملك بذلك
فارسل احضره فقال له يا حيقار لاي سبب تجلد
هذا القط وتضرب هذا الحيوان الاخرس فقال له
حيقار يا سيدي الملك لقد فعلت معي فعلًا قبيح
واستوجبت هذه الضرب لان سيدي سينحاريب
[56v]الملك قد اوهبني ديك مليح وكان له صوت عظيم يعرف
ساعات الليل ومضت هذه القطت المفسودت في هذه
الليلة قطعت راسه فلاجل هذه باديتها بالضرب فقال
له فرعون يا حيقار اراك كل ما تكبر تخرف لان من مصر
ونينوي تمانيت وستون فرسخ فكيف مضت في هذه الليلة
وقطعت راس الديك واتت فقال له حيقار يا سيدي
ان كان بين مصر ونينوي في هذا المسافت كيف اذا صهل
حصان سيدي الملك من هناك يسمعون خيلكم
فيطرحون وكيف يصهل يصل حس الحصان الى مصر فلما
سمع ذلك فرعون علم انه رد جوابه عليه فقال
له يا حيقار اريد تعمل لي حبلين من رمل البحر فقال
له حيقار يا سيدي ارسم ان يحضر لي من
الخزانت حبل حتى اعمل مثله ثم ان حيقار مضا الى
قفا البيت وتقب تقبين على غلظ الحبل اخذ بيده
حفنت رمل من رمل البحر فلما طلعت الشمس
ودخلت
[56r]في الابخاش بدر الرمل في الشمس حتى بقي مثل الحبل
وقال لفرعون امر عبيدك ان ياخذوا هذا الحبال وكلما
تريد افتل لك مثلهم فقال فرعون يا حيقار لنا هاهنا
حجر رحا قد انكسر فاريد منك ان تخيطها فنظر
حيقار فوجد حجر اخر فقال لفرعون يا سيدي انا
هاهنا رجل غريب وليس معي الت الخياطه ولكن
اريد منك ان تامر الى عبيدك الاساكفت ان يقدون
لي من هذه الحجر مخارز ومشطه وكاز حتى اخيط لكم حجر
الرحا فضحك فرعون الملك وكل اكباره وقالوا تبارك
الله الذي اوهبك الذكاوت والمعرفت فلما نظر فرعون
ان حيقار قد رد عليه جوابه وقضى مسايله انقهر
للوقت وامر ان يجمعوا الكسيم عن تلاتت سنين
[ويقدموها] الى حيقار مع الذي كتبه وخلع عليه وعلى
[57v][عسكره] وغلمانه واعطى له خرجيه للدرب وقال له امضي بسلام
يا عزيزي لعند سيدك وافتخاره واستاده مثلك
من يكون مدبر ملوك وسلاطين اقرا سلامي
على سيدك سينحاريب الملك وقول له لا
يواخذنا بما اهديناه لان الملوك تقنع بالقليل فقبل
حيقار ذلك ثم انه قبل الارض امامه وقال اريد منك
يا سيدي ان تامر لا [يبقى] احدًا في ارض مصر
من اثور ونينوي حتى يمضوا معي فارسل مناديًا ونادا
كما قال حيقار عند ذلك مضى حيقار وودع الملك
وسار طالبًا ارض اثور ونينوي وصحبته من الخدامين
[والأموال] [شيئًا] كثير فلما بلغ الخبر الى سينحاريب
الملك خرج لملتقاه وفرح به فرحًا عظيمًا وقبله وقال
له اهلاً وسهلاً ومرحبا في ابي وعز دولتي وفخر
ملكي اطلب مني ما تشتهي وتختار ولو اردت نصف ملكي
[57r]ومقتناي فقال له حيقار يعيش راسك الى الابد
مهما اردت انعم عليّ ثم ان حيقار التفت الى ابن اخته
نادان وقال له
يا بني انا اردت لك الخير وانت جازيتني شرًا وقبيح
الان اريد اقلع عينيك واجعلك ماكلًا للدياب واقطع
لسانك وفي حد السيف اخذ راسك واجازيك
عوض افعالك الشنيعت فاجاب نادان وقال لحيقار
اصنع معي مثل معرفتك واغفر لي اتامي لان مثلي من
يخطي ومثلك من يعفي اقبلني الان اخدم في بيتك
واسوس خيلك وارعى خنازيرك واكنس زبل
دوابك لاني انا الشرير وانت الصالح وانا المذنب
وانت المسامح فقال له حيقار
يا بني انت مثل الشجرت التي كانت على جانب الماه
[58v]عديمت الثمر فاراد صاحبها ان يقطعها فقالت له حولني الى مكان
اخر فان لم اثمر اقطعني فقال لها صاحبها انتي على جانب الماه
لم تتمري فكيف تتمري وانتي في غير مكان
يا بني شيخوخت النسر اخير من شبوبيت الغراب
يا بني قالوا للديب ابعد عن الغنم ليلا يوديك غبارهم فقال
لهم غبارهم نافع لعيناي
يا بني ادخلوا الديب للمكتب حتا يتعلم [القراءة] فقالوا له قول
الف با تا فقال لهم خاروف عنزي جدي كما في بطني
يا بني وضعوا راس الحمار على المايدة فوقع وبدا يتمرمغ
في التراب فقال دعوه يتمرمغ لان طبعه ما يتغير
يا بني قد تبت قول القايل اذا ولد ولدًا ادعيه ابنك واذا
ربيت ولدًا ادعيه عبدك
يا بني الذي يعمل الخير خيرًا يلقاه والذي يصنع شرًا شرًا
يلقا لان الرب يجازي الانسان على قدر عمله ايش
[58r]اقول لك اكثر من هذا الكلام لان الله عالم [الخفايا]
ويعرف السراير والضماير فهو يجازيك ويحكم بيني
وبينك ويكافيك بما تستحق فلما سمع
نادان هذا الكلام من خاله حيقار انتفخ لوقته وبقي
مثل الزق المنفوخ وورمت اعضاه وساقيه ورجليه
[وأجنابه] وتمزق وانشق بطنه وبدرت مصارينه
وهلك ومات وصارت اخرته للهلاك ومضا
الى جهنم [وبئس] [المصير] كما في الكتاب ان الذي
يحفر لاخيه حفرة يقع فيها والذي ينصب فخًا
لغيره يقع فيه هذا ما وجداناه من خبر
حيقار الحكيم على التمام والكمال
والحمد لله وحده
[تمت]